عبد الكريم الخطيب
924
التفسير القرآنى للقرآن
وفي هذه القصة ، يشير القرآن إشارة لامحة إلى أن داود لم يعرف كيف يفصل في هذه القضية ، أو أنه فصل فيها فصلا لم يصب مقطع الحق منها . . وهذا لا يعيب داود عليه السلام ، ولا ينقص من قدره ، لأنه فصل بما أدى إليه اجتهاده . . فإذا أخطأ فله أجر ، وإن أصاب فله أجران . . هذا هو حكم المجتهد ، الذي تجرد من هواه . . ولا شك أن داود كان أبعد ما يكون عن الهوى . ففي قوله تعالى : « فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ » إشارة إلى أن سليمان هو الذي عرف وجه الحق في هذه القضية ، ووقع على الرأي الصحيح فيها . . وذلك بفهم آتاه اللّه سبحانه وتعالى إياه . . كما يقول سبحانه : « فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ » وقوله تعالى : « وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً » هو تعقيب على قوله تعالى « فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ » الذي قد يفهم منه أن سليمان قد أوتى فهما من اللّه وأن داود قد حرم هذا الفهم ، فكان ذلك دافعا لهذا الوهم . . إذ أن كلّا من داود وسليمان ، قد لبس من فضل اللّه ومن إحسانه حللا ، وأن كلّا منهما قد أوتى من اللّه حكما وعلما . . ولكن هذا لا يمنع من أن يكون أحدهما أكثر علما من الآخر ، فالعلم درجات لا حدود لها ؛ واللّه سبحانه وتعالى يقول : « نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ » ( 76 : يوسف ) . والقرآن الكريم لم يكشف عن تفاصيل هذه القضية . ولم يتحدث عن الحكم الذي حكم به داود فيها ، ولا عن وجهة نظر سليمان فيما حكم به أبوه . . ذلك أن كل هذا لا يقدّم شيئا في تحقيق الغاية التي جاءت لها القصة ، وهو أن الفصل في الخصومات بين الناس أمر خطير ، يحتاج إلى علم واسع ، وبصيرة نافذة ، ونفس تجردت من كل هوى ، وإلا كان الخطأ والزلل ، الذي من شأنه إن شاع أفسد حياة الناس ، وأغرى بعضهم ببعض . . ومن جهة أخرى